ابن أبي جمهور الأحسائي
19
كاشفة الحال عن أحوال الاستدلال
الاستحسان والاجتهاد باطل عندنا « 1 » . وتدل هذه النصوص بتعاقبها التاريخي المتتابع على أن كلمة الاجتهاد كانت تعبيرا عن ذلك المبدأ الفقهي المتقدم . وهو جعله مصدرا للحكم الشرعي مستقلا ، وفي قبال الكتاب والسنة . ويستفاد أيضا ان نفس كلمة الاجتهاد كانت ذات حساسية ، وتثير الاشمئزاز لأنها كانت مرادفة للقياس والاستحسان كما يظهر ذلك واضحا من العبارات المتقدمة لأعلام المذهب . الّا ان مفهوم الاجتهاد أخذ بعدا آخر بعد ان تطور وتهذب وتبلور عما كان يحمله من رواسب الاقتران بالقياس والاستحسان ، وأخذ الاعلام يضمنونه لعباراتهم ، ولا يرون فيه أي حرج ، كما هو الملاحظ في عبارات المحقق الحلي في كتاب المعارج . وأيّ حرج فيه بعد ما كان موافقا مع مناهج الاستنباط في الفقه الإمامي ويعبّر عن الجهد الذي يبذله الفقيه في استخراج الحكم الشرعي من أدلته ومصادره ، فلم يعد مصدرا من مصادر الاستنباط ، بل هو عملية استنباط الحكم من مصادره التي يمارسها الفقيه . ولا يخفى ان الصراع المتقدّم ، والحرب الكلامية ضد الاجتهاد ، كانت ضد الاجتهاد بما هو لفظ الاجتهاد دون معناه ، لما يشم منه رائحة إبداء الرأي ، وهو مستهجن عندهم ، وإلّا فان الاجتهاد بمعناه الإمامي ، وهو استنباط الحكم مستندا إلى الكتاب والسنة ، أو إلى القواعد المتخذة منهما ، فقد ما رسوه فعلا حتى في زمن حضور الأئمة عليهم السّلام بل إن الصحاح المروية عن زرارة والحوار الذي دار بينه وبين الإمام الباقر عليه السّلام ، وإعطاء الإمام لزرارة قواعد كلية يمكن تطبيقها على كثير من الموارد أثناء الاستدلال ، وكذلك ما رواه محمد بن مسلم عن الإمام الصادق عليه السّلام بما يرجع مضمونه إلى الحوار السابق ، كما وان إرجاع الأئمة عليهم السّلام - بعض من سألهم من
--> ( 1 ) دروس في علم الأصول للسيد محمد باقر الصدر ، الحلقة الأولى ص 56 .